ابن عساكر

316

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

أهديت إلى الرشيد جارية في غاية الجمال والكمال ، فخلا بها أياما « 1 » ، وأخرج كل قينة من داره ، واصطبح يوما ، فكان من حضر من جواريه للغناء والخدمة في الشراب وغيره زهاء ألفي جارية في أحسن زي ، من كل نوع من أنواع الثياب والجوهر ، واتصل الخبر بأم جعفر « 2 » فغلظ عليها ذلك ، فأرسلت إلى عليّة « 3 » تشكو إليها ، فأرسلت إليها عليّة : لا يهولنك هذا ، فو اللّه لأردنه [ إليك ] « 4 » ، وأنا أعمل شعرا ، وأصوغ فيه لحنا ، وأطرحه على جواريّ ، فلا تدعي عندك جارية إلا بعثت بها إلي ، وألبسيهن فاخر الثياب والحلي ليأخذن الصوت مع جواري ، ففعلت أم جعفر ما أمرتها . فلما جاء وقت العصر لم يشعر الرشيد إلا وعليّة قد خرجت عليه من حجرتها ، وأم جعفر قد خرجت من حجرتها معهما « 5 » زهاء ألفي جارية من جواريهما « 6 » وسائر جواري القصر ، وكلهن في لحن واحد هزج صنعته عليّة : منفصل عني وما * قلبي عنه منفصل يا قاطعي اليوم لمن * نويت بعدي أن تصل فطرب الرشيد ، وقام على رجليه حتى استقبل أم جعفر وعلية ، وهو على غاية السرور ، وقال : لم أر كاليوم قط ، ثم قال : يا مسرور ، لا يبقينّ في بيت المال درهم « 7 » إلا نثرته ، فكان مبلغ ما نثر يومئذ ست آلاف ألف درهم ، وما سمع بمثل ذلك اليوم قط . دخلت أعرابية على هارون الرشيد ، فأخرج إليها ماردة « 8 » وكانت ذات جمال وشكل ، وكان الرشيد يحبها فأنشدته الأعرابية أشعارا تمدحه ببعضها ، وأنشدها الرشيد لنفسه في ماردة : وتنال منك بحدّ مقلتها * ما لا ينال بحده النصل

--> ( 1 ) الأغاني : فخلا معها يوما . ( 2 ) يعني زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور ، زوجته ، وأم ابنه الأمين . ( 3 ) يعني علية بنت المهدي ، أخت هارون الرشيد ، أمها أم ولد ، مغنية ، وكانت علية من أحسن الناس وأظرفهم ، تقول الشعر الجيد وتصوغ فيه الألحان الحسنة . انظر أخبارها في الأغاني 10 / 162 . ( 4 ) زيادة لازمة للإيضاح عن الأغاني . ( 5 ) في الأغاني : معها . ( 6 ) الأغاني : جواريها . ( 7 ) في الأغاني : لا تبقين في بيت المال درهما . ( 8 ) ماردة جارية ، قيل إنها أم المعتصم ، أهدته إياها أم جعفر انظر الأغاني 18 / 67 و 22 / 46 .